هل “يعرف” الذكاء الاصطناعي حقاً ما يفعله؟ دراسة جديدة تدعو لإعادة التفكير في لغتنا الرقمية

هل “يعرف” الذكاء الاصطناعي حقاً ما يفعله؟ دراسة جديدة تدعو لإعادة التفكير في لغتنا الرقمية
في وقت يتسارع فيه تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف مفاصل حياتنا، وتحول المملكة العربية السعودية نحو جعل عام 2026 “عام الذكاء الاصطناعي”، تبرز دراسة علمية حديثة لتحذر من فخ لغوي نقع فيه جميعاً: أنسنة الآلة.
فقد كشفت الدراسة الصادرة عن جامعة ولاية أيوا أن استخدام أفعال “عقلية” لوصف أنظمة الذكاء الاصطناعي — مثل قولنا إن البرنامج “يفكر”، “يعرف”، “يفهم”، أو “يريد” — قد يؤدي إلى تضليل الجمهور حول حقيقة عمل هذه التقنيات. هذه الكلمات توحي بأن النظام يمتلك وعياً أو مشاعر أو نوايا، بينما هو في الحقيقة مجرد خوارزميات تعالج البيانات بناءً على أنماط إحصائية.
النتائج: الصحافة أكثر حذراً مما نعتقد
1. تجنب “الأنسنة” في الصحافة
على عكس التوقعات، وجد الباحثون أن الصحفيين وكُتّاب التقنية يتجنبون بشكل ملحوظ إعطاء صفات بشرية كاملة للذكاء الاصطناعي. لم يميلوا لاستخدام أفعال مثل “يعتقد” أو “يشعر”، مما يشير إلى وعي مهني بضرورة التفريق بين الآلة والإنسان.
2. الفعل “يحتاج” هو الأكثر شيوعاً
سجلت الدراسة أن الفعل الذهني الأكثر استخداماً عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي هو “يحتاج” (Needs).
تم استخدامه 661 مرة في المقالات التي شملتها العينة.
غالباً ما يأتي في سياق تقني، مثل: “الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بيانات أكثر” أو “يحتاج إلى رقابة بشرية”، وهو استخدام يركز على المتطلبات التقنية وليس الرغبة البشرية.
3. الفعل “يعرف” مرتبط بـ ChatGPT
وجدت الدراسة أن الفعل “يعرف” (Knows) هو الأكثر اقتراناً بالحديث عن ChatGPT تحديداً، لكنه استُخدم بتكرار منخفض (بضع عشرات المرات فقط)، مما يعكس حذراً في وصف قدرات المحادثة لديه كـ “معرفة حقيقية”.
4. الفجوة بين الأفعال “العقلية” و”الخارجية”
لاحظ الباحثون توازناً في استخدام الأفعال التي تصف أفعالاً ملموسة (مثل: يكتب، يحلل، ينشئ) مقابل الأفعال التي تصف عمليات ذهنية (مثل: يفكر، يفهم). النتائج تشير إلى أن المجتمع العلمي والتقني يفضل وصف “ماذا يفعل” البرنامج بدلاً من “بماذا يشعر” أو “كيف يفكر”.
5. التحذير من “خداع اللغة”
خلصت النتيجة النهائية إلى أن اللغة التي نستخدمها قد تكون “فخاً”. فحتى الاستخدام المحدود للأفعال البشرية قد يوهم الجمهور العادي بأن هذه الأنظمة تمتلك “إرادة” أو “وعياً”، وهو ما قد يؤدي إلى ثقة مفرطة أو خوف غير مبرر من التقنية.
لماذا يهمنا هذا في “الثورة الرقمية السعودية”؟
بينما تقود السعودية العالم في مؤشرات تبني الذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، تبرز أهمية هذه الدراسة في تشكيل الوعي المجتمعي. إن فهم أن الذكاء الاصطناعي هو “أداة ذكية” وليس “كياناً عاقلاً” يساعد في:
بناء توقعات واقعية: تقليل الإحباط الناتج عن أخطاء الأنظمة عبر إدراك محدوديتها.
تعزيز الأخلاقيات: التركيز على مسؤولية المبرمج والمستخدم بدلاً من لوم “الآلة”.
الاحترافية في العمل: مساعدة المتخصصين في التواصل التقني على اختيار مصطلحات دقيقة تعكس التطور الحقيقي دون مبالغة.
الذكاء الاصطناعي لا يملك مشاعر ولا “يعرف” بالمعنى البشري، ولكنه يمتلك قدرة فائقة على محاكاة هذه المعرفة. ومع دخولنا حقبة جديدة من التحول الرقمي، تذكر دائماً: نحن من نصنع الذكاء، ونحن من نوجهه، والكلمات التي نختارها لوصفه تحدد مدى نجاحنا في السيطرة عليه.



