من النفط إلى الخوارزميات: كيف تعيد السعودية كتابة جيناتها الوطنية بتقنيات المستقبل

من النفط إلى الخوارزميات: كيف تعيد السعودية كتابة جيناتها الوطنية بتقنيات المستقبل
بقلم: أ. أحمد محمد السعدي
في إحدى المدن الصناعية السعودية، يجري تحول صامت على أربعة آلاف مصنع في آن واحد. أذرع آلية تقليدية مُنحت عيوناً من الذكاء الاصطناعي، ومستشعرات إنترنت الأشياء، ومشغّلون يختبرون تعديلات إنتاجية في فضاء افتراضي عبر تقنيات التوأم الرقمي. ليست هذه تخمينات مستقبليين، بل مشهد يتشكل في السعودية بعد دخول “رؤية 2030” مرحلة التنفيذ العميق. وفي وقت ما زال العالم يناقش الحدود الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، راهنت المملكة التي كانت تُعرف ببلد النفط على الخوارزميات والبيانات.
قفزة التصنيع الذكي
حمل وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف في المنتدى الثالث للثورة الصناعية السعودية رسالة واضحة: القيادة الصناعية السعودية لم تعد تكتفي بمتابعة الاتجاهات العالمية، بل تسعى إلى قيادة صناعات المستقبل. تدعم هذا الإعلان أرقام ملموسة: أكثر من أربعة آلاف مصنع تقليدي يخضع للتحويل إلى منشآت ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي والأتمتة والتصنيع الإضافي. وبرنامج “المصانع المستقبلية” ليس ترقية تقنية معزولة، بل جزء من هيكل الاستراتيجية الصناعية الوطنية التي تستهدف تنويع الاقتصاد وتحقيق نمو صناعي مستدام.
وقد ظهرت النتائج بالفعل. تُظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن مؤشر الإنتاج الصناعي في السعودية سجّل نمواً سنوياً بنسبة 6.5% في يوليو 2025، مدفوعاً بتوسّع الأنشطة التحويلية. والمثال الأكثر دلالة يأتي من مجموعة العبيكان للاستثمار: فبعد نشر منصة رقمية موحّدة تربط أكثر من 1200 آلة صناعية و280 خط إنتاج ببيئة ذكية واحدة، ارتفعت كفاءة التشغيل بنسبة تصل إلى 30%، وتراجع زمن تحليل البيانات من ساعات إلى دقائق، ونمت الإيرادات من نحو 750 مليون دولار إلى مليار دولار خلال أربع سنوات. لم يعد هذا عرضاً تجريبياً، بل دفتر حسابات اقتصادية لتطبيق على نطاق واسع.
سباق خفي على البنية التحتية للبيانات
أي حديث عن تقنيات المستقبل يتجاهل دعم القدرة الحاسوبية يبقى بناءً في الهواء. والاستثمار السعودي في هذا البُعد جسور: فقد ارتفعت السعة التشغيلية لمراكز البيانات من 68 ميغاواط في 2021 إلى أكثر من 440 ميغاواط في 2025، أي نحو ستة أضعاف خلال أربع سنوات، بمعدل نمو سنوي مركّب يبلغ 52%. ويجري تطوير أكثر من ستين مركز بيانات من قبل أكثر من عشرين شركة، باستثمارات تتجاوز 16 مليار ريال سعودي.
يخدم هذا التوسع في البنية التحتية مباشرةً التطبيق الواسع للذكاء الاصطناعي. ويكشف تقرير كيه بي إم جي التقني لعام 2026 عن بيانات بالغة الدلالة: 76% من المؤسسات السعودية المشاركة تتوقع نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع وتحقيق عائد استثماري قابل للقياس خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، وهي أعلى نسبة بين جميع المناطق المشمولة بالاستطلاع. والأكثر إثارة للانتباه هو نموذج الحوكمة التقنية: 93% من المؤسسات تعتمد قرارات تقنية مركزية، و99% أنشأت عمليات معيارية لتقييم التقنيات الجديدة. وهذا يعني أن دفع الذكاء الاصطناعي في السعودية ليس سلوكاً ذاتياً متفرقاً من الشركات، بل مشروع وطني منسّق من أعلى إلى أسفل.
من التقنيات العميقة إلى الاقتصاد الكمي
إذا كان التصنيع الذكي ومراكز البيانات هما ركيزتا “رؤية 2030” في الحاضر، فإن التقنيات العميقة والتقنيات الكمومية تشكّلان احتياطيهما الاستراتيجي للعقد المقبل. يُظهر تقرير التقنيات العميقة الصادر عن وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات أن 50% من الشركات الناشئة التقنية السعودية تتركز في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، وأن عدد الشركات الناشئة عالية النمو يتجاوز 43 شركة، مع جذب تمويل يفوق 987 مليون دولار في عام 2022 وحده. وفي الوقت نفسه، نما عدد الباحثين بنسبة 75% منذ عام 2015.
والتحرك في مجال التقنيات الكمومية أكثر استشرافاً. فقد انضمت السعودية إلى مبادرة “الخطة الاقتصادية الكمومية” للمنتدى الاقتصادي العالمي، وأصدرت أول تقرير لها بعنوان “مشهد الاقتصاد الكمومي السعودي”. ووقّعت أرامكو اتفاقية مع Pasqal لنشر أول حاسوب كمومي في المملكة، وتعاونت مع IBM لإنشاء مركز ابتكار لاستكشاف تطبيقات الحوسبة الكمومية في قطاع الطاقة؛ كما تعاونت نيوم مع Arqit لتطوير منصة أمن سيبراني قائمة على التقنيات الكمومية لحماية مدينتها الإدراكية. وفي الأثناء، تعمل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية على إدخال الكفاءات الوطنية الشابة إلى مختبرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والواقع الافتراضي والتصنيع الإضافي عبر برامج تدريبية. وكل هذه التحركات تشير إلى أمر واحد: السعودية لا تنوي أن تكون متفرجاً في سباق الكم.
المنطق العميق للرؤية: الإنسان قبل الآلة
في المنتدى الرابع للثورة الصناعية بالرياض، ثمة تفصيل يستحق التوقف رغم ضجيجه الإخباري التقني: ناقش المشاركون التحول العالمي من رأس المال المادي إلى رأس المال المعرفي، وأكدوا أن الرفاه النفسي والتعلم المستمر سيصبحان ركيزتين حاسمتين للتنافسية الوطنية. وقد استثمرت الحكومة السعودية في تدريب وتأهيل الكفاءات الوطنية على المهارات الرقمية. ويكشف هذا الاستثمار عن بُعد كثيراً ما يغفله المراقبون الخارجيون: في سردية التحول التقني السعودي، يبقى الإنسان دائماً قبل الآلة.
ولعل هذا هو الفارق الجوهري بين “رؤية 2030” وخطط استيراد التقنية المجردة. فسواء كان الأمر يتعلق بتحويل أربعة آلاف مصنع ذكي، أو مضاعفة سعة مراكز البيانات ست مرات، أو المراهنة على مقدمة الحوسبة الكمومية، فإن نقطة الارتكاز النهائية هي إعادة استثمار اقتصاد كان يعتمد على مورد واحد في قدرات سكانه. وعندما تضيق الفائدة الحدية لعائدات النفط في ظل التحول العالمي للطاقة، تختار السعودية ربط مصيرها الوطني بمجالات تتطلب التعلّم المستمر والتكيّف والإبداع. هذا الطريق بلا سابقة يمكن الاحتذاء بها، ولهذا بالذات يستحق كل خطوة فيه أن تُسجَّل.



